أحمد بن يحيى العمري
372
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
أما صيرورة الجبال سهولا ، فإن الجبال من شدة إشراق الشمس والقمر وسائر الكواكب عليها ، بطول الزمان ، تنشف رطوبتها ، وتزداد جفافا ويبسا ، وتتكسر عند الصواعق خاصة ، فتصير أحجارا وصخورا ورمالا ، ثم السيول تحمله إلى بطون الأودية والأنهار ، ولشدة جريان الماء تحملها إلى البحار ، فتنبسط في قعر البحار جبال وتلال ، كما يتولد من هيوب الرياح دعاص « 1 » الرمال في البر . وكذلك قد يوجد في أجواف الأحجار إذا كسرت ، أنواع من الأصداف والعظام ، وذلك بسبب اختلاط طين هذا الموضع بالصدف والعظم ؛ وأيضا فقد يوجد بعض الجبال ذو أطباق ، بعضها فوق بعض ، وسبب ذلك وصول السيول إليه بالطين مرة ، فإن ماء السيل إذا انتقل من موضع إلى موضع يحمل طين الموضع الذي مرّ عليه ، فتصير كل طبقة من ذلك بمرور الزمان حجرا بالسبب الذي قلنا ، ولا تزال السيول تأخذ من الجبال وتحط حتى ترتفع من البحر الوهاد وتنخفض في البر الجبال والله أعلم بالحقائق . وأما كيفية صيرورة البحار يبسا ، واليبس بحرا ، فإنه كلما انضمت من البحر قطعة على الوجه الذي ذكرناه ، فالماء يرتفع يطلب الاتساع على سواحله ، يغطي البر بالماء ، ولا يزال ذلك دأبها بطول الزمان حتى تصير مواضع البر بحرا ، وهكذا لا يزال الجبال تتكسر وتصير حصى ورمالا تحمله السيول إلى قعر البحار مع طين ممرها ، وينعقد فيها كما ذكرنا ، حتى يستوي مع وجه الأرض فتجف وتنكشف ، فينبت فيها العشب والأشجار ، فتصير ( 218 ) مكانا للوحوش والسباع ، ويقصدها الناس لطلب الصيد والعشب والحطب ، فتصير مسكنا للناس وموضعا للزرع والغرس والقرى والمدن ، فسبحان من لا يعتريه التغير والزوال ، وكل ما سواه يتغير من حال إلى حال .
--> ( 1 ) : جمع : دعص ، وهو قور من الرمل مجتمع .